الحارث المحاسبي
10
المسائل
فإن كان منفقا للأموال ، وواضعها في الحلال والحرام ، أو منفقها في غير وجوهها الفاضلة ، فهو راغب وإن قل حبسه . ولربّ مكثر بغير الإكثار مشغول ، ليس بذاكر دنياه ، لأن الآخرة قد غلبت على مناه ، تذكره للدنيا تذكر من أراد فيها البلاغ ، وحبسه لها حبس من لا يغيره تقلب الأحوال ، قلبه لغيرها ذاكر ، وهو على ما أعطاه اللّه منها شاكر . إن أعطى منها لم يمنعه حلول النعمة عن أداء شكرها ، وإن منع لم يمنعه نزول البلية عن النظر إلى موضع الخيرة . فهو صابر على البلاء ، وعالم بأنّ عسر حاله خير له من الرخاء ، وهو يستقبل البلية بالصبر وبالشكر . يرى أنها إذا أقبلت عليه صبر عليها ، وإذا نظر في عاقبتها وجد خيرة ونعمة وجب عليها فيه الشكر . فهو مسرور بالرخاء ، ومختار لما اختاره اللّه إذا نزل به البلاء ، ليس يرد على مولاه ما اختار ، ولا بمختار غيره باختيار . ولربّ مقل قد ظهر الزهد على ظاهر بدنه ، وقلبه مشغول بالرغبة ، فقد استقل كل ما صار إليه من الدنيا ، وإن كان في العدد كثيرا ، ويستكثر ما بيد غيره وإن كان في العدد قليلا . وقد روي عن بعض العلماء أنه قرأ في حكمة عيسى عليه السلام : قد رأينا من المقلين شدة حب منهم للدنيا ، وآخرين مكثرين في غير حب للدنيا ، كالمنتخبين إبراهيم ويعقوب وداود وسليمان ، لما أرادهم اللّه خرجوا من كلّ رملة . قال : والقائمون بالأمور التي أمر اللّه بالقيام فيها بأمره ليسوا بذاكرين أهلا ولا مالا ، قد عناهم ما به أمروا . فليسوا يذكرون غير ما هم فيه ، لشدة عنايتهم به ، فخرجوا من ذل ملك الأهل والأموال ، وصارت همتهم للأعمال . فلم يذموا بجمع الأموال إليهم ، فلا للملاهي جمعوها ، ولا للتلذذ في أنواع المعاصي ، ولكن جمعوها لأداء الحقوق فيها ، فليسوا بذاكرين لها إلا بما كانوا يذكرون اللّه بها ، وبتصريفها في وجوهها .